الشيخ محمد آصف المحسني

365

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

غيبته بالضرورة . والاعتقاد بوجوده ( ع ) ولزوم انقياده لا يزيد على الاعتقاد بوجود الله العليم المحيط بكلّ شيء ، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور والذي هو أقرب إلى المكلّفين من حبل الوريد . فلا أثر له زائداً ، على ما يترتّب على هذا الاعتقاد . ودعوى الضرورة غير مسموعة . نعم ، حضور الإمامة ورؤيته يوجب ردع أكثر الناس عن المعاصي ، ويقرّبهم إلى الصلاح فإنّ الناس - إلّا الأوحدي منهم - يتأثّرون من المحسوس أكثر من تأثّرهم من المعقول ، كما يشاهد ذلك من تأثّرهم من ملاقاة علمائهم . وأمّا أنّ وجوده ( ع ) مقدّمة لتصرّفه الذي هو لطف فلا شكّ فيه ، غير أنّه لا يستلزم أن يكون وجوده أيضاً لطفاً ، ضرورة تباين المقدّمة وذيها ، فالوضوء مقدّمة للصلاة وليس بصلاة على أنّ مفاد هذا التلفيق أنّ وجوده ( ع ) لطف إذا كان له تصرّف ، وإلّا فلا . والمفروض انتفائه في زمن الغيبة فكيف يفرض وجوده لطفاً ؟ ! ثمّ قال العلّامة : والتحقيق أن نقول لطف الإمامة يتمّ بأمور : منها : ما يجب على الله تعالى ، وهو خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلم والنصّ عليه باسمه ونصبه وهذا قد فعله الله تعالى . ومنها : ما يجب على الإمام وهو تحمّله للإمامة ، وقبوله لها ، وهذا قد فعله الإمام . ومنها : ما يجب على الرعيّة وهو مساعدته والنصرة له ، وقبول أوامره وامتثال قوله ، وهذا لم يفعله الرعيّة فكان منع اللطف الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام . انتهى كلامه . أقول : العمدة قوله تبعاً لمن تقدّمه : « وهذا لم يفعله الرعيّة » نقول لهم : إنّ أردتم جميع الرعيّة فهو ممنوع قطعاً ، بل حساً . وإن أردتم البعض فما هو ذنب البعض الآخر ؟ على أنّ لازمه عدم وجوب نصب الأنبياء والأئمة رأساً لعدم اتفاق الناس بأجمعهم على مساعدة أحد من الأنبياء والأئمة وهو كما ترى ! وعلى الجملة : لا شكّ أنّه إنّما استتر مخافة قتله من الظالمين والملحدين ، لكن هذا لا يوجب اغتيابه عن مواليه المخلصين بين حين وآاخر ، يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم وهداهم ، وللكلام ذيل طويل . والتحقيق أنّ اللطف غير واجب على الله تعالى كما بيّنا وجهه في الجزء الثاني من هذا الكتاب ، ونصب الإمام واجب على الله تعالى عقلًا بمناط آخر حرّرناه في أوائل هذا المقصد ، وهو لا يجري في المقام ، فإنّ الأحكام الشرعيّة - إلّا ما قلّ - قد وصلت إلى المكلّفين في زمان الصادقين والرضا ( ع ) فلا حكم للعقل بعد ذلك في نصب الإمام ، والمتبع بعده النقل - فافهم المقام - ووجوده ( ع ) وإن كان لطفاً للناس بمعنى أنّه بسبب لانفتاح البركات ، بل الاستمرار فيض